مجد الدين ابن الأثير

386

المختار من مناقب الأخيار

عنه ، فقالوا : هو أفضل من هاهنا في الزّهد ، ومنازلة الفقر . فقلت في نفسي : أعطيه الدّنانير التي معي ؛ فإنّي لا أعرف المستحقّين ، فلمّا أصبحنا قصدته ، وسلّمت عليه ، وجلست إليه ، وباسطني وباسطته ، فقلت له : رأيت الشيخ البارحة يأكل خبز الشّعير وملحا جريشا ، وأعلم أنّه كان صائما ، فحملت إليه شيئا ليتحكّم فيه ، وقدّمت إليه الكيس ، وقلت : هو ألف دينار . فشدّد النّظر إليّ ، وقال : خذه ، فإنّ هذا جزاء من أفشى سرّه إلى الناس « 1 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال أبو الخير الأسود المعروف بالعسقلاني : كان بعبّادان رجل زنجيّ مفلفل الشعر ، يأوي الخرابات ، فحملت معي شيئا ، وطلبته ، فلمّا رفع بصره تبسّم « 2 » ، وأشار بيده إلى الأرض فرأيت حواليّ إلى حيث أرى دراهم ودنانير تلمعان ، ثم قال لي : هات ما معك . فناولته وهربت ، وهالني أمره « 3 » . رحمة اللّه عليه ورضوانه . * * * وقال عبادة بن كليب « 4 » : كنت بعبّادان فرأيت شابّا من قريش عليه جبّة صوف ، فسمعته يقول : إنّ للّه عبادا يستروحون إلى الغموم . فقلت : رحمك اللّه ، تلبس الصّوف ؟ فقال : إنّما أنا عبد ، فإذا أعتقت لبست .

--> ( 1 ) صفة الصفوة 4 / 61 . ( 2 ) في ( ب ) : « فلما وقع بصره عليّ تبسّم » . ( 3 ) صفة الصفوة 4 / 61 . ( 4 ) في صفة الصفوة 4 / 62 : « عباد بن كليب » .